المقريزي
234
إمتاع الأسماع
وفي رواية : لما نزلت آية الزقوم ، لم تعرفه قريش ، فقال أبو جهل : هذا شجر لا ينبت بأرضنا ، فمن منكم يعرفه ؟ فقال رجل قدم من أفريقية : الزقوم بلغة أفريقية : الزبد والتمر ، فقال أبو جهل : يا جارية ، هاتي تمرا وزبدا نزقمه ، فجعلوا يأكلون ويتزقمون ويقولون : أبهذا يخوفنا محمد في الآخرة ، فبين الله في آية أخرى الزقوم بقوله : ( إنها شجرة تنبت في أصل الجحيم ) . ونزل قوله تعالى : ( وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى ) ( 1 ) في أبي جهل ( 2 ) . وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا عبد الله بن نمير عن حجاج عن منذر عن ابن الحنفية في قوله تعالى : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) ( 3 ) قال : كان أبو جهل وصناديد قريش يأتون الناس إذا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون فيقولون : إنه يحرم الخمر ويحرم ما كانت تصنع العرب فارجعوا فنحن نحمل أوزاركم ، فنزلت هذه الآية : ( وليحملن أثقالهم ) ( 4 ) .
--> ( 1 ) الليل : 8 - 9 . ( 2 ) ( البحر المحيط ) : 10 / 494 ، وقال الزمخشري : الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين " وهو أبو جهل " ، وعظيم من المؤمنين " وهو أبو بكر " ، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين ، فقيل : ( الأشقى ) ، وجعل مختصا بالصلى ، كأن النار لم تخلق إلا له . وقال : الأتقى ) ، وجعل مختصا بالنجاة ، وقيل : هما أبو جهل أو أمية بن خلف ، وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . ( المرجع السابق ) ، ( الكشاف ) 4 / 218 . ( 3 ) العنكبوت : 13 . ( 4 ) قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون ) " العنكبوت : 12 " ، أي إن كان اتباع سبيلنا خطيئة تؤاخذون بها عند البعث والنشور كما تقولون ، فلنحمل ذلك عنكم ، فنؤاخذ بها دونكم . قال مقاتل : يعني قولهم : نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله ، واللام في ( لنحمل ) لام الأمر ، كأنهم أمروا أنفسهم بذلك ، وقال الزمخشري : الأمر بمعنى الخبر ، وقرئ بكسر اللام ، وهو لغة الحجاز ، ثم رد عليهم بقوله : ( وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ ) ، ( من ) الأولى بيانية ، و ( من ) الثانية مزيدة للاستغراق ، أي وما هم بحاملين شيئا من خطيئاتهم التي التزموا بها ، وضمنوا لهم حملها ، ثم وصفهم الله تعالى بالكذب في هذا التحمل ، فقال : ( إنهم لكاذبون ) فيما ضمنوا به من حمل خطاياهم . قال المهدوي : هذا التكذيب لهم من الله عز وجل حمل على المعنى ، لأن المعنى : إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم ، فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخير ، أوقع عليه التكذيب ، كما يوقع على الخير . قوله تعالى : ( وليحملن أثقالهم ) أي أوزارهم التي عملوها ، والتعبير عنها بالأثقال للإيذان بأنها ذنوب عظيمة ، ( وأثقالا مع أثقالهم ) أي أوزارا مع أوزارهم ، وهي أوزار من أضلوهم وأخرجوهم عن الهدى إلى الضلالة ، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم : من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ، كما في حديث أبي هريرة ، الثابت في ( صحيح مسلم ) وغيره . ( فتح البيان ) : 7 / 194 .